ليست الغاية من هذا المقال التجريح، ولا تصفية الحسابات، ولا النيل من الأشخاص، وإنما إطلاق صرخة إصلاح نابعة من الحرص على مؤسسة دينية ووطنية عريقة شكّلت عبر تاريخها مرجعية للمسلمين في لبنان، وأسهمت في حماية الاعتدال، وصيانة الوقف، ورعاية التعليم الشرعي، والدفاع عن الثوابت الوطنية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو:أما آن لدار الفتوى أن تستعيد موقعها ودورها، وأن تنهض بأمانة رجال مخلصين يحملون همَّ الإصلاح قبل همِّ المواقع؟
بعد سنوات طويلة من الاضطراب الإداري، وغياب الاتزان والتوازن في إدارة بعض مفاصل دار الفتوى والعديد من مؤسساتها التابعة، برزت الحاجة الملحّة إلى مراجعة جادّة ومسؤولة لمسار العمل، وإلى إعادة الاعتبار لمنهج الإصلاح وإحقاق الحقوق ورفع المظالم المتراكمة.
غير أن المؤسف أن هذه الملفات بقيت، في نظر كثيرين، بعيدة عن المعالجة الجذرية، وسط ما بدا من إحجامٍ من صاحب القرار الأول في الدار عن فتح أبواب المراجعة والمساءلة، سواء تجنّبًا لتحمّل أعباء الإصلاح، أو خشية الاصطدام بأصحاب النفوذ والتأثير من بعض مفاتي المناطق أو بعض القوى السياسية وغيرها.
إن مسؤولية المرجعيات الكبرى لا تقتصر على إدارة الواقع القائم، بل تفرض عليها الشجاعة في مواجهة الخلل، وإنصاف المظلوم، وفتح الملفات العالقة، لأن صيانة المؤسسات لا تكون بتأجيل المشكلات والتسويف، وإنما بمعالجتها بعدل وحكمة ومسؤولية.
وفي ظل المستجدات القانونية والدستورية المتعلقة بالطعن في مسألة التمديد لمفتي الجمهورية اللبنانية، وما قد يترتب عليها من استحقاقات جديدة، تبدو اللحظة مناسبة لمراجعة شاملة وصريحة وجريئة، بعيدًا عن المجاملات، وبعيدًا عن ثقافة الصمت التي لم تُنتج إلا مزيدًا من التراكمات.
من حق المسلمين أن يسألوا: ماذا تحقق خلال السنوات الماضية؟ وما هي الإنجازات التي يمكن أن تُقدَّم للرأي العام في مجالات تطوير المؤسسة، وتنشيط الأوقاف، ورعاية العلماء، وتحسين الإدارة، وتعزيز الشفافية؟
كما يحق لهم أن يطالبوا بتقويم موضوعي للأداء، يحدد مواطن النجاح والإخفاق، ويضع المسؤوليات في مواضعها.
ومن حقهم كذلك أن يتساءلوا عن آليات التعيين والتكليف في بعض المواقع الإدارية والوقفية، وهل تقوم على معايير الكفاءة والاستحقاق، أم أن هناك حاجة إلى مراجعة تضمن الشفافية، وتبدد كل ما يُثار من تساؤلات حول المحسوبيات أو تضارب المصالح أو النفوذ الشخصي.
ألا يحق لنا أن نسأل عن مواطن الخلل التي أصابت بعض جوانب العمل الإداري، وعن مدى سلامة معايير التوظيف والاختيار، وعن أي شبهات تتعلق بالمحسوبيات أو تغليب الاعتبارات الخاصة في تشكيل بعض المجالس الإدارية للأوقاف، ولا سيما إذا كان من شأن هذه التشكيلات من الأزلام التي تؤثر أصواتها في مسار الاستحقاقات الانتخابية لمواقع الإفتاء في المناطقوغيرها من المواقع ذات الصلة؟
إن المؤسسات الدينية الكبرى لا تُصان إلا بالشفافية والوضوح، ولا تُبنى الثقة فيها إلا عندما تكون معايير الاختيار قائمة على الكفاءة والأمانة والاستحقاق، بعيدًا عن أي تأثيرات أو حسابات لا تنسجم مع رسالة المؤسسة ودورها.
أليس من حق الكل أن يسائل عن حجم الإنجازات التي باتت تقارب العدم؟ لقد طبع الغيابُ التام معظمَ القضايا والملفات، ولم يبرز منه إلا نَذْرٌ يسير يُدار بحسب الحاجات والغايات؛ مما يجعل التساؤل والمساءلة حقّاً مشروعاً ومستحقّاً.
كما يبرز سؤال آخر يتعلق بحق وموقع العلماء وأصحاب الكفاءة والخبرة داخل المؤسسة. فهل أُحسن الإفادة من طاقاتهم؟ وهل نالوا حقوقهم المعنوية والمادية والاجتماعية على قدم المساواة؟
أم أن ثمة شعورًا متناميًا لدى بعضهم بالتهميش والإقصاء عن مواقع التأثير وصناعة القرار؟
وبالمقابل خلل وفساد لا يقل أهمية عن ذلك ملف الالتزام الوظيفي في بعض القطاعات التابعة للدار، ومنها ما يُثار حول متابعة بعض العاملين، ومدى التزامهم بواجباتهم، وآليات الرقابة والتقييم، وإمكان الجمع بين وظائف متعددة قد تؤثر في أداء المهام الموكلة إليهم. وهي مسائل لا ينبغي أن تُترك للشائعات أو الانطباعات، بل تحتاج إلى تدقيق إداري ومالي واضح، وإلى أنظمة رقابة تُطبق على الجميع دون استثناء.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فيما يخص بعض الوظائف فيبرز ملف "مدرسي الفتوى" كنموذجٍ صارخ؛ إذ إنّ عددًا منهم يتقاضون رواتبهم الشهرية من ملاك رئاسة الحكومةدون أدنى متابعةٍ أو إشرافٍ على دوامهم وأدائهم. يأتي ذلك في وقتٍ يشغل فيه كثيرٌ منهم وظائف دائمة في المدارس، أو يتفرغون للتدريس الجامعي، أو يديرون أعمالهم الخاصة وتجاراتهم وسفرياتهم بلا رقيبٍ أو حسيب.
وتطرح هذه الظاهرة تساؤلاتٍ جادّة حول مدى قانونية الجمع بين أكثر من وظيفة، وتأثير هذا التجاوز المباشر على حساب دار الفتوى وعلى مرأى منها.
كما أن إدارة الأوقاف، بما تمثله من أمانة شرعية ومالية، تستحق مراجعة دقيقة تضمن حسن إدارة أموال الوقف واستثماراته، وتمنع احتكار واستغلال النفوذ أو استمرار أي ممارسات قد تثير الشبهات أو تُضعف ثقة الناس بالمؤسسة، فالأوقاف ليست ملكًا لأشخاص، وإنما هي أمانة للأمة جميعًا.
ألا يحقّ لنا أن نكشف -وبالفم الملآن- عن "مغارات علي بابا" في بعض دوائر الأوقاف؟ تلك التي تحوّلت، بفعل غياب المحاسبة، إلى شبه "وكالات حصرية" تُدار لحساب عائلات بعينها ونفوذٍ محتكر، حيث سُخّرت المقدرات للمصالح الشخصية الضيّقة على حساب الغاية الشرعية والعامة.
ومن الملفات التي تستوجب عناية خاصة أيضًا، ما يُتداول أحيانًا عن شكاوى تتعلق بالإجراءات الإدارية أو التحقيقات الداخلية أو النزاعات الوظيفية. فإذا كانت هناك مظالم، فينبغي إنصاف أصحابها، وإذا كانت هناك ادعاءات وفبركات لا أساس لها، فينبغي كشف الحقيقة وإنهاء الجدل. فالعدالة لا تقوم إلا بالتحقيق النزيه، وسماع جميع الأطراف، وإعمال القانون على الجميع بلا تمييز.
إن المؤسسات لا تنهض بالتستر على الأخطاء، ولا بإقصاء أصحاب الرأي، ولا بتأجيل الإصلاح، وإنما تنهض بالشفافية، والمحاسبة، والكفاءة، وسيادة القانون، والاعتراف بأن أي مؤسسة بشرية قابلة للمراجعة والتقويم.
ولذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى تبادل الاتهامات، بل إلى إطلاق ورشة إصلاح حقيقية، تبدأ بإجراء مراجعة شاملة لأداء مؤسسات دار الفتوى، وإرساء قواعد واضحة للحوكمة الرشيدة، وتعزيز الرقابة المالية والإدارية، وإعادة الاعتبار للعلماء الأكفاء، وصون حقوق الموظفين، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث يكون معيار التقدم في المسؤولية هو الكفاءة والأمانة، لا النفوذ أو العلاقات الشخصية.
إن هذه الدعوة ليست موجهة ضد أحد، بل هي من أجل المؤسسة نفسها، ومن أجل الحفاظ على مكانتها وهيبتها ورسالتها. فالمؤسسات الكبيرة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات الناقدة، وإنما بقدرتها على الاستماع، والمراجعة، والإصلاح، وتصحيح المسار.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام جميع المعنيين: هل تتحول هذه المرحلة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة، أم تُفوَّت فرصة أخرى تضاف إلى سجل الفرص الضائعة؟
إن التاريخ لا يرحم، والأمانات لا تسقط بالتقادم، والمسؤولية أمام الله ثم أمام الناس والوطن تقتضي أن تُفتح ملفات الإصلاح بجرأة وعدل، وأن تكون الحقيقة وحدها هي الحَكم، لأن بقاء المؤسسات لا يكون إلا بالحق، والعدل، والشفافية، وحسن القيام بالأمانة.























































